ابن كثير
326
البداية والنهاية
وأصحابه منها ماء لبدلهم الأرض ولم يمنعهم من السير ، وأصاب قريشا منها ماء لم يقدروا على أن يرتحلوا معه . قلت وفي هذا قوله تعالى : ( وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الاقدام ) [ الأنفال : 12 ] فذكر أنه طهرهم ظاهرا وباطنا ، وأنه ثبت أقدامهم وشجع قلوبهم وأذهب عنهم تخذيل الشيطان وتخويفه للنفوس ووسوسته الخواطر ، وهذا تثبيت الباطن والظاهر وأنزل النصر عليهم من فوقهم في قوله : ( إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق ) [ الأنفال : 13 ] أي على الرؤوس ( واضربوا منهم كل بنان ) أي لئلا يستمسك منهم السلاح ( ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ، ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار ) [ الأنفال : 14 ] . قال ابن جرير : حدثني هارون بن إسحاق ثنا مصعب بن المقدام ثنا إسرائيل ثنا أبو إسحاق عن حارثة عن علي بن أبي طالب . قال : أصابنا من الليل طش من المطر - يعنى الليلة التي كانت في صبيحتها وقعة بدر - فانطلقنا تحت الشجر والحجف نستظل تحتها من المطر ، وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم - يعني قائما يصلي - وحرض على القتال . وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب عن علي ( 1 ) . قال : ما كان فينا فارس يوم بدر إلا المقداد ، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح ، وسيأتي هذا الحديث مطولا . ورواه النسائي عن بندار عن غندر عن شعبة به ( 2 ) : وقال مجاهد : أنزل عليهم المطر فأطفأ به الغبار وتلبدت به الأرض وطابت به أنفسهم وثبتت به أقدامهم . قلت : وكانت ليلة بدر ليلة الجمعة السابعة عشر من شهر رمضان سنة ثنتين من الهجرة ، وقد بات رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة يصلي إلى جذم شجرة هناك ، ويكثر في سجوده أن يقول " يا حي يا قيوم " يكرر ذلك ويلظ به عليه السلام . قال ابن إسحاق : فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يبادرهم إلى الماء حتى جاء أدنى ماء من بدر نزل به . قال ابن إسحاق : فحدثت عن رجال من بني سلمة أنهم ذكروا أن الحباب بن منذر بن الجموح . قال : يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر
--> ( 1 ) تاريخ الطبري : 2 / 269 . ( 2 ) أخرجه النسائي في السنن الكبرى ، في الصلاة ، عن محمد بن المثنى ، عن محمد ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق عن حارثة بن مضرب تحفة الاشراف 7 / 357